الرئيسية / مناطق 48 / مساء كوكاني؛ لقاءات خاطفة مع مهجرين من قرية الكويكات

مساء كوكاني؛ لقاءات خاطفة مع مهجرين من قرية الكويكات

جلست في ساحةٍ بين بيوت عائلة نصرة، أو كما يسمونهم الكواكنة منذ زمن الكويكات دار أبو سيخ، كنت انتظر الناشطة نورا نصرة لترافقني في جولة لملمة ذاكرة خاطفة قبل الاجتماع التنظيمي للجنة مسيرة العودة الخامسة عشرة إلى الكويكات وعمقا.
 
 “صار ينادي عليّ عائدة” كانت الشمس تغيب والغسق ينذر بضيق الوقت، وكانت أم نورا تجلس وحدها في الساحة على كرسي عجلاتها الأسود تلوك المريمية، رحّبت بي، كانت تعرف بقدومي وهدفه ولم تنتظر حتى أن أطرح عليها الأسئلة، “أنا قصتي زي قصة كل الفلسطينيّة، لحالي بقيت وقرايبي بكلّ العالم، بلبنان والأردن وسوريا والكويت وقطر…وبألمانيا كمان عنا عيلة كبيرة، وبأميركا تسألش.
 
كان عمري سنتين وقت الهجيج، بقيت مع إمي هون، وأبوي وإخوتي بلبنان، قصة طويلة، أنا من ترشيحا مش كوكانية، جوزي كوكاني..”.
 
 سكتت أم مصطفى، لست متأكدًا تمامًا أنّ هذه هي كنيتها، لكنها عندما كانت تحدّثتني لاحقًا عن زيارة أبيها في العام 1975، مرّ من بين البيوت ابنها مصطفى الذي حيّاني من بعيد مبتسمًا “هذا ابني مصطفى، على اسم أبوي، هذا ابني حنون عليّ”. قصّت عن يوم الزيارة بتفاصيل التفاصيل، كيف شعرت أنّ أبيها سيأتي في ذلك اليوم، “كان عندي إحساس..كنت متأكدة”، وعندما قالت “قالولي أبوكي إجا، هياه على طرف الشارع معه شنطات، نزلت أركض، كان صرلي 25 سنة مش شايفته، شوفته بطلت أعرف حالي وين، وصار ينادي علي بصوت عالي: عائدة”، بكت أم مصطفى.    
 
“قربتوا ترجعونا؟!”
كانت الناشطة نورا نصرة، التي وصلت في خضّم سرد الأحداث، تستمع إلى أمّها كأنّها تسمع قصة زيارة جدّها لأول مرة، لكنها تداركت الحزن أو حوّلته إلى مولّد طاقة. ودّعتُ الأمّ التي كانت في تلك اللحظة ابنة تشتاق لوالدها، وأكملت طريقي كالظمآن في الرمضاء لا يرويه إلا ما في قصص الناس الكبار.
 
مشيت مع نورا في حي ظهر أبو الحصيني في أبو سنان، عند ميدان جمال عبد الناصر، أهل الحيّ من مهجّري قرية الكويكات، “الكويكات قريبة؟”، سألتها، “شايف هذاك الضو الأصفر على تلة هناك، هاي عمقا..الكويكات جارتها..كتير قريبة!”.
 
 دخلنا ساحة أحد البيوت، سألت نورا الأطفال عن جدهم، قالوا لها إنّه في المسجد، لم تنزعج كثيرًا “منروح عند الحاج أبو أحمد..عنده المجسّم”، لم تشرح أكثر، ولم أسأل، فبيته كما أشّرت قريب جدًا.  
 
في الطريق حدّثتني “أنا من زمان نشيطة مع لجنة المهجّرين، مش بس عشان الكويكات، عشان كلّ القضية، هاي قضية وطن مش بلد، مش كل شعور وطني هو شعار، بدي حق أهلي، وبدي نبقى هون حد زتونات فلسطين ع أرضنا، وبدي اللي راح يرجع، الحق الحق”، لم تكمل نورا خطاب المبادئ لأننا كنا قد وصلنا إلى البيت المنشود، وكان عليها أن تحيي بحماسها الجارات التي مزحت إحداهن معها سائلة بمزح الأصدقاء “شو قرّبتوا ترجعونا؟!”.  
 
“بطّل في بلد!”
كان الحاج علي غضبان (84 عامًا) في داخل المنزل، اتخذت لي كرسيًا بلاستيكيًا في نصف الدائرة الصغيرة بين أناس استقبلوني بابتسامات هادئة وسؤالٍ عن حالي، الحاجة أم أحمد كانت بينهم، وابتسامتها كانت أوسع من الجميع، وكسرت بطلباتها من قريباتها صمت إحراج اللقاء.  
 
“إنت من الكويكات، حجة؟”، سألتها، “أنا أبوي كوكاني وإمي عمقاوية” جاوبتني بصوتها المرح والمرتجف، فمزحت إحدى الحاضرات “لازم إنت اللي تحكي الكلمة يا حجة، لأنك من البلدين، مش لازم نورا”، ضحكت الحاجة ورفضت الاقتراح بحركة يدٍ فيها كل كلمات الإسكات المقبولة.
 
 كانت أجوبتها على أسئلتي الملّحة قصيرة وقاسية، “قديش كان عمري؟ 18 سنة”، “شو متذكرة؟ متذكرتها كلها، بس لما روحت مالقيتش حدا، بطّل في بلد. شو متذكّرة كمان؟ الحدّاي يحدي ع ضو القمر، كانوا يستنوا نص الشهر الهجري ويجوزوا..إسا بيجي الحاج وبحكيلك هو أشطر مني، متذكر أكتر مني”، لم أرد أنّ ألحّ أكثر، فانتظرت الحاج.  
 
المجسّم
تأخّر قليلاً، نظّرت إلى لوحة معلّقة على الحائط الخارجي للمنزل المختبئ بين بيوت الأبناء، حدّقت النظر فيها فإذ هي رسم خارطة لقرية، وقفت واقتربت من الصورة، وقف إلى جانبي الدكتور محمد، ابن الحاج، وأخذ يشرح لي، “هاي بلدنا” ثم اصطحبي إلى غرفة محاذية للباحة “في إشي أحسن” قال.  
 
في زاوية الغرفة كانت المفاجأة، مجسم كبير لقرية الكويكات، مكعبات بيضاء لبيوت عليها أسماء أصحابها، المسجد، المعاصر الخمس، تمامًا كما كانت القرية قبل احتلالها وتهجيرها، “أبوي ذاكرته قوية كتير، رسملنا البلد، مع أراضيها وأسماءها وشو كانوا يزرعوا بكل منطقة هون تين وهون عنب وهون زيتون، كل خلّة وكل حبال، قلّنا كل بيت وين كان ولمين كان، هذا مثلاً بيت المختار حدّ مراح العين، هاي الحارة القديمة، هاي ساحة البلد، وهاي البيوت الجديدة بنوها بعدين على حدود البلد، كانت مرتبة.
 
أخدنا الرسمة أنا وقرابتي رمزي، هو تقني أسنان، رحنا قسنا الارتفاعات والمساحة، وهو بنا المجسّم، أول مرة حدا بعمل هيك إشي”.    
 
حافظ رثاء نوح
خرجت من الغرفة مشدوهًا بروعة المجسّم، يبهرني دومًا النظر إلى المدن والقرى من عليّ، كم بالحريّ النظر إلى قرية لم تعد قائمة وجلّ ما نريده هو أن تعود كذلك، فيصبح النظر على ما كان كأنّه النظر على ما تريد أن يكون ويصبح ما تريده أقرب خطوة إلى الواقع منه إلى الماضي.
 
كان الحاج أبو أحمد في انتظاري، وحالما خرجت وضعوا لي كرسيًا إلى جانبه، “الله أخذ مني النظر والسمع، بس خلالي الذاكرة”، بدأ الحاج يقصّ عليّ كيف انتقل للسكن في أبو سنان، من قرية المزرعة التي هُجّر إليها، لكني أردت أن يعود بنا إلى ماضٍ أبعد، فهزّ رأسه مقلعًا نحو طفولته.  
 
حكا لي، من بين القصص المثيرة التي حكاها، عن الشاعر الشعبي الثوري الشهير نوح إبراهيم (1913-1938)، الذي كان يتردّد على الكويكات دومًا، يزور صديقه الأستاذ الجشّي ورفاقه الثوار، وكيف كان يستقبله مع صغار القرية، عندما يصل البلد يرحبون به، “كنا نعمل حالنا ثوّار، نحمل العصي زي البواريد ونمشي صف واحد، كنا نحبه كثير، لما استشهد نوح إبراهيم كلنا زعلنا والأستاذ الجشّي كتب رثاء بعدني حافظه لليوم”. صمت الحاج لثوانٍ ثم بدأ ينشد: 
فداك يا أخي نوحًا فداك سنقتل يا أخي نوحًا فداك 
في طمرة قد قتلت فليت شعري
رأيناكـــــم ولا كـــنا هناك 
لكنا سنسحق الأعداء سحقًا
وسـنجعلهم كراديسًا حداك
فويل للجنود أما كفاهم
في يوم الأمس قد قتلوا أباك
 
 
كانوا الكواكنة
حدّثني الحاج عن محبة أهل الكويكات لبعضهم، “كانت الناس على البساطة، فلاحين وعمّال ويربوا حلال”، كان أهلها يقفون مع بعضهم، في أيام العزاء لا يخرج أحدٌ من القرية، ولا يعملون حتى في عزّ أيام الحصاد والحراث، وفي الأعراس كان الجميع يشارك، والغريب لم يكن يشعر فيها أنّه غريب “الإمام والناطور والأستاذ كانوا من بريت البلد، وكانوا يحطولهن تنكات زيت البركة يطلعلهن أكثر من الملاكين”، وعندما كانت تشتعل “طوشة” مع قرية أخرى كان الجميع يشارك أيضًا! “كانوا يخافوا منهن لأنهن إيد واحدة عالغريب، مشهورين بهالصفة هني والبراونة، أهل البروة”.
 
أردت الاستماع أكثر لشرح الحاج عن مجسم القرية وحياتها لكن ساعة الاجتماع التنظيمي لمسيرة العودة قد حان، كان صوته منخفضًا وقد منعه السعال المفاجئ من الراحة في اختتام الحديث.  
 
رافقني ابنه د. محمد إلى مكان الاجتماع في الطرف الآخر من الحيّ، تحدّثنا عن الذاكرة والتاريخ، عن ما نختار أن نتذكره، قال بثقة الواثق بحقه إنّ هناك حقائق قد لا يذكرها الكبار وقصص قد لا يحكونها لأنهم يريدوننا أن نتمسّك بهذه الذاكرة، فعلا كان الناس أطيب وأكثر محبة لبعضهم، لكنهم عاشوا كمجتمع فيه الصالح والطالح، فيه الفلاح الذي يشقى والحرامي الذي يسرق تعب غيره، قال إنّه شارك بصنع المجسّم لأنّه يحبّ أن يرى التاريخ تمامًا كما كان، بنفس الدرجة التي يريد فيها أن يرى الواقع كما هو.  
 
تماهٍ
وصلنا إلى ساحة البيت حيث اجتماع الفعالين المركزيين في تنظيم المسيرة، أعضاء اللجنة المحليّة لمهجّري الكويكات وعمقا ومندوبين عن جمعية الدفاع عن حقوق المهجّرين، وكانت الناشطة نورا هناك تشارك في الترتيبات قبل بداية الاجتماع الذي كانت المرأة الوحيدة المشاركة فيه.  
 
سرعان ما وجدت نفسي غارقًا في حديث شائق وشائك مع أبي فاتن، حسين مباركي (81 عامًا)، الذي عرّفني عليه الصديق الأستاذ عبد نمارنة، عضو إدارة جمعية المهجرين، قائلاً “أبو فاتن من قرية النهر..يمكن هو الوحيد اللي بقي هون من سكانها”.  
 
سابقت الوقت لأسمع منه أكثر، فطالما ذكروا أمامي قرية النهر جارة الغابسية قرية جدتي وعائلة حماتي لكني فعلا لم أنجح بلقاء أحد مهجريها، كان حديثه منسابًا مرتبًا وصوته عميقٌ آتٍ من زمان بعيد فكدت لا أصدّق أنّه فعلا يجلس إلى جانبي، لم يحك لي نبذة عن تاريخ وطني عام بل حكا لي عنه وعن أبيه وعن جدّ أمي وعمّ حماتي وقصصهم سويًا، قصص إن سردتها هنا سأحتل صفحات الجريدة، تماهت الأسماء والمعاني والأحداث في بوتقة صهر الذات بالجماعة، ولم يعد للسنين أي أثر، كأن الأمس الآن، وكأن طفولته لي، وكأنّ أحدًا لم يمت.  
 
اتفقت مع أبي فاتن على نلتقي في عكا قريبًا ليكمل الحكايا، لأنّ الاجتماع قد بدأ.
 
كان الاجتماع تنظيميًا تناول كل الجوانب حول الاستعدادات والترتيبات، والمنظمين، والمسار، والترخيص، ودعم الناس السخي للمسيرة، وشرح البرنامج الفني الثقافي التراثي، وخيم الفعاليات والمعارض.
 
كان اجتماعًا عمليًا وناجعًا جدًا ووحدوي النهج، عكس العمل والجهد الكبير ووعد بمسيرة منظّمة، تعوّضنا لساعات قليلة عن سنين التهجير، وذكّرني بجملة قالها لي الصديق أحمد الشيخ محمد، الرئيس الجديد لجمعية الدفاع عن حقوق المهجرين، خلال حديثنا عن مسيرة العودة، “الحدث الذي فرّقنا وشتّتنا يومها هو ذاته اليوم الحدث الذي يوحّدنا”.  لم أكن أريد لهذا المساء الكوكاني أن ينتهي، لكن ما دامت هناك ذاكرة لن تكون نهاية.  
_________________________________________________________________________________
 
قرية الكويكات
 
قرية عربية تقع على بعد 15 كم شمال – شرق عكا، وترتبط بها وبالقرى العربية المجاورة بطرق كثيرة، وقد استفادت من قربها من مدينة عكا في معظم الخدمات التسويقية والصحية والتعليمية وغيرها. تقع القرية في سهل عكا فوق رقعة من الأرض ترتفع 50 م عن سطح البحر.
 
ولذا كان من الطبيعي أن تكون أبرز مزايا موضعها: سهولة الاتصال بعكا ووجود أراض صالحة للزراعة حولها. تعتبر القرية موقعا أثريًا يحتوي على نحت  في الصخور ومغاور استخدمت كمقابر وفيها توابيت فخارية وبئر قديمة وأنقاض معاصر زيتون يدوية.
 
يحد القرية من الشرق قرية عمقا، من الغرب قريتًي المزرعة والسّميرية، من الشمال الشّيخ دنون والشّيخ داوود والغابسية ومن الجنوب قريتًي كفر ياسيف وأبو سنان. في فترة الانتداب ألبريطاني اتسعت رقعة القرية الى الجهة الغربية لتصل الحواكير، وقد امتازت بتباعدها عن بعضها البعض، ولهذا يمكن القول أن بيوت كويكات  تندرج تحت بابين، البيوت القديمة والبيوت الحديثة، ومن أهم معالمها المدرسة (1887م)، الجامع (1887م)، خان كوكو، مقام القرشي، العين أو الحنّانة كانت مساحة أراضي الكويكات قبل عام النكبة تقدر بـ 4.723 دونمًا، وتعدّ أراضيها من أخصب الأراضي في ألمنطقة ومعظمها صالحة للزراعة لا سيما زراعة الحبوب والزيتون والبطيخ، قُدّرتْ مساحة الأراضي المغروسة بأشجار الزيتون في أواخر عهد الانتداب البريطاني نحو 500 دونم، إضافة للزراعة اهتم السكان أيضا بتربية المواشي والدّواجن وصناعة منتجات الألبان وزيت الزيتون.
 
بلغ عدد سكان قرية كويكات حسب الاحصاء البريطاني عام 1945 1.050 نسمة، ومن العائلات التي سكنت قرية كويكات نذكر: الغضبان، الحسن، يحيى، كريم، إبريق، الجشي علي مصطفى (دار نصرة ويلقّبون: أبو سيخ)، العطعوط، العجمي.( الايراني)، العمقاوي، البيتم، السنونو.   احتل الجيش الإسرائيلي خلال عمليّة “ديكل” أجزاء شاسعة من الجليل الغربي والجليل الأسفل، كان هدف االعملية الأساسي الهجوم على قوات القاوقجي وضربها في قواعدها، كانت العمليّة العسكرية ما بين التاسع والثامن عشر من تموز 1948، قامت بها ألوية شيفع، كرملي وغولاني. دارت المعارك ضمن ما سُمي لاحقا بمعارك “الأيام ألعشرة” التي احتُلت أثناءها مناطق واسعة من أراضي الجليل.
 
في ليلة الحادي عشر من حزيران عام 1948، دخلت القرية الوحدات التي كانت تابعة للواء شيفع ولواء كرميلي، وبدأت بالقصف المدفعي تمهيدا للهجوم بالدّبّابات والآليات، مع احتدام المعارك قرّر رجال القرية اخراج النساء والأطفال وكبار السن الى أماكن أكثر أمنا، فخرجوا وتوجّهوا إلى كفر ياسيف وأبو سنان وغيرها من القرى المجاورة لم تكن المعركة متكافئة مما حدا بالثوار الذين حاولوا الدفاع عن قريتهم التراجع الى موقع جبلي شرقي القرية آملبن على أمل أن يوفّر لهم جيش الانقاذ العربي الامدادات، لكن المعركة انتهت بسقوط القرية وتهجير أهلها. لم يبق من القرية سوى المقبرة المهجورة وركام المنازل التي غرست فوقها اشجار الكينا والصنوبر ومقام الداعي أبو محمد القرشي الشاهد على حقيقة المكان والمعالم، وأقيم على أنقاشها كيبوتس بيت هعيمق. 
 
*(بتصرف عن موقع جمعية الدفاع عن حقوق المهجرين)
المصدر : موقع عرب 48