الرئيسية / أخبار مخيمات اللجوء / المهجرون الفلسطينيون السوريون في مخيم الجليل: نعيش نكبة جديدة وبعضنا لجأ إلى المقابر!

المهجرون الفلسطينيون السوريون في مخيم الجليل: نعيش نكبة جديدة وبعضنا لجأ إلى المقابر!

هذا هو حال الفلسطينيين في بقاع الأرض، قدرهم أن يشردوا أول مرة من وطنهم فلسطين إلى مخيمات اللجوء، وقدرهم أن ينزحوا من المخيمات إلى المخيمات في كل مكان هرباً من القتل والجوع، بحثاً عن الأمن والحياة، الحياة التي طالما خذلتهم وقست عليهم وحرمتهم العيش كباقي الشعوب وجعلتهم غرباء في كل مكان حتى بين بني جلدتهم من العرب والمسلمين.

تسكن أم يوسف مع أولادها الخمسة في غرفة تقدر بثلاثة أمتار مربعة، غرفة لا تدخلها أشعة الشمس، وتدفع مئة دولار بدل إيجارها، مع تحمل مضايقات المالك لها ولعائلتها عند الدخول والخروج، تقول بحرقة قلب لمراسل “وكالة القدس للأنباء”، “لم نأت بخاطرنا، ولم نعلم بما يخبأه القدر لنا في مخيمات لبنان”، وتضيف: “الموت أرحم يا إبني من هالعيشة”، فمن مشكلة السكن التي نعاني منها ولا أحد مدَ لنا يد المساعدة لنسكن في مكان يليق بنا كبشر، إلى مشكلة التعامل والمعاملة مع الآخرين في ظل عادات وتقاليد مختلفة، وها نحن على أبواب فصل الشتاء، وبعلبك منطقة جبلية باردة جداً ولم نعتد على مثل هذا البرد، ومع ذلك لا يوجد من يساعد لتأمين السكن والتدفئة، إلا القليل القليل، فمادة المازوت غالية جداً، وما يُصرف لنا بدل تدفئة لا يُلبي احتياجاتنا.

تفاقم الأزمة ونقص الإمكانات

تسكت أم يوسف وتمسك منديلها المهترئ لتمسح دموعها، وتنظر إلى سقف الغرفة رافعةً سبابتها لتقول “في الله”، فلم نجد من الأونروا والجمعيات إلا الوعود واللامبالاة والمماطلة والتسويف وعدم توفر الإمكانيات المادية، مما أدى إلى تفاقم الأزمة واستنفاذ كل إمكانيات الإغاثة والإيواء.

“معك هوية لاجئ فلسطيني، لا تستغرب من نوع المصيبة!”، هكذا بدأ أبو علي حديثه لمراسل “وكالة القدس للأنباء”، وبصوت خافت يقول: “لا تأحذ لي صورة ولا تسجل لي صوتاً، أخاف أن يتم طردي من الغرفة المجانية”، ممنوع علينا أن نتواصل مع وسائل الإعلام، وممنوع علينا التعبير عن مشاعرنا لأحد، بل يجب أن نُثني بالحمد والشكر للجمعيات والمسائيل والأونروا أو يكون الثمن الطرد من الغرفة المجانية وتوقف المساعدة الشهرية التي هي عبارة عن كرتونة من السكر والشاي والأرز، أما الغرفة المجانية فهي عبارة عن باب من بطانية وحيطان من أحجار الطين، بدون شباك للهواء ولأشعة الشمس، مليئة بالرطوبة والحشرات بفعل نوع الأرض الرملية، وعند بابها قبور الأموات من اللاجئين الفلسطينيين في بعلبك.

غرفة بالمقبرة

يمسك أبو علي سيجارته ويأخذ منها نفساً عميقاً، وبصوت عميق مليء بالحزن يقول: “غرفتي في المقبرة، بين الأموات أعيش، وعائلتي من أربع أشخاص، ننام فوق بعضنا البعض، ومنذ أكثر من سنتين ونحن ننتظر العودة إلى مخيم اليرموك، أو العيش هنا حياة كالبشر إلى حين العودة، فلا أحدٌ لنا سوى خالقنا، ونعيش منذ عام 1948 على أمل العودة لأرضنا ووطننا فلسطين، وهذه الوعود خير دليلٍ على أنها وعود الحكومات والدول الكاذبة، وهي نفسها التي تدعم “الأونروا” التي تتنصل من مسؤولياتها اتجاهنا وتماطل ولا نجد سوى التهديد بوقف المعونة الشهرية”.

ويعتبر مسؤول ملف المؤسسات في اللجنة الشعبية في مخيم الجليل بعلبك، الأستاذ فؤاد حسين، أن أزمة النزوح للفلسطينيين من سوريا شكلت نكبة جديدة في واقع هذا المخيم، فطبيعة الحياة في مخيم الجليل جسَّدت مأساة اللجوء منذ عام 48، وأتت لتتفاقم بعد الأزمة السورية، فهذه المنطقة التي تعتبر منطقة مهملة من الحكومة اللبنانية، وتعتبر أيضاً منطقة قاسية في المعيشة في الشتاء الطويل والبرد القارس، ونتيجة قلة الأعمال لأهل المخيم التي تنحصر في البناء ومحطات الوقود بشكل كبير، جاءت الأزمة لتدخل كل منزل عبر الأعداد الكبيرة من النازحين التي وصلت المخيم، حيث بلغ عدد العائلات الفلسطينية النازحة في بعض المراحل إلى 2200 عائلة، أخذت تتوزع لاحقاً هرباً من الظروف المعيشية حتى وصل العدد إلى حوالي ال700 عائلة حالياً.

أوضاع معيشية صعبة

ويشير حسين إلى أنه مع بداية الأزمة وقفت اللجان الشعبية وأهالي المخيم إلى جانب النازحين، حيث تم التواصل مع مؤسسات دولية كالصليب الأحمر الدولي، المجلس الدانمركي للاجئين، والمجلس النرويجي للاجئين، وأطلقت حملة إغاثة كانت فاعلة بشكل كبير وأدت الكثير على الأرض، لكن مع مرور الوقت ومنذ ما يقارب السنة تقريباً توقفت هذه المؤسسات المانحة عن التقديم ما أوصل الأمر إلى حد المأساة، وكانت الحجة أن “الأونروا” باتت معنية بأوضاع النازحين الفلسطينين من سوريا، علماً أن “الأونروا” تأخرت كثيراً لتطلق حملة إغاثة خاصة بالفلسطينيين، بالرغم من أنها المعني الأول بإغاثة وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين، وتطالعنا “الأونروا” اليوم بقرارات غريبة ومشبوهة، حيث تقوم بتوجيه رسائل إلى بعض العائلات الفلسطينية النازحة من سوريا، تخبرهم فيها أن معوناتهم سوف تتوقف وقد تجاوز عدد العائلات على مستوى لبنان كافة أكثر من ألف عائلة.

ويسأل حسين، ماهي الأسباب الموجبة لقطع إعانات نازحين يقطنون أصلاً في منازل للاجئين؟ وكيف تقطع معونات نازحين لا يمتلكون أي فرصة عمل في هذه المنطقة التي تعتبر منكوبة في الأصل؟ وهل يتفاقم مسلسل الإهمال من قبل “الأونروا” ليشمل الجوانب الصحية والتربوية، فالنازحون الفلسطينيون ليس لهم ضمان صحي ولا وسائل تعليم سوى من خلال “الأونروا” وهذا واقع مرير، فأعداد المرضى في عيادة المخيم تصل حوالي إلى 165 مريضاً يومياً، بالإضافة إلى نقص الأطباء، وصيدلية واحدة لا تمتلك مقومات الصيدلية، وفي الواقع التربوي فالأعداد المتزايدة للطلاب بعد الأزمة السورية توجب أن يكون هناك عدد أكبر من الكادر التعليمي المختص وأن لا تدخل هذه المعادلة في إطار المحسوبيات، وتصبح حالة سلبية بدل أن تكون حالة دعم للشعب الفلسطيني النازح من سوريا.

وإن كان قدرهم أن يولدوا مشردين، وقدرهم أن يموتوا كذلك، هل قدرهم أن يُخذلوا وأن يُتاجر بقضيتهم العادلة وهي العودة إلى ديارهم في فلسطين منذ النكبة، مروراً بالنكسة، وصولاً إلى النزوح..؟